التـــوحد..


    *بيرغر سيلين.. أول شاعر توحدي في العالم

    شاطر
    avatar
    منـآر علي

    المساهمات : 24
    تاريخ التسجيل : 04/11/2010
    العمر : 24

    *بيرغر سيلين.. أول شاعر توحدي في العالم

    مُساهمة  منـآر علي في الخميس نوفمبر 04, 2010 8:41 am





    طفل أجلس أدمغة الكتاب والشعراء والعلماء على طاولة انطوائه
    في عامه الثاني توقف نموه العقلي. بعد أسبوعين توقف عن الكلام، ورفض كل علاقة مع والديه، ولم يعد يلعب مثل الأطفال الآخرين، تعرف أهل التوحدي بيرغر على طريقة التواصل المبسط والمسند Facilitated Communication F.C. في 27 ـ 8 ـ 1990 جلست السيدة سيلين مع ابنها بيرغر إمام جهاز الكمبيوتر، تحدوها الآمال في أن يتحقق شيء ما. بعد جهد ومعاناة في جلسة الكتابة الأولى على الكمبيوتر تدفقت موجات من المشاعر، وانعكس ما يمور بنفسه على شاشة الكمبيوتر. والآن تقارن الصحافة الألمانية بلغة هولدرن وارتواد، ولغة كوستاف شفاب ورينلد غوتس وانغبورغ باخمان.

    بيرغر سيلين هو الطفل الأول للمحامي البرليني دانكويرد وأستاذة علم النفس السيدة آنا ماريا سيلين. ولد في برلين عام 1973. في عامه الثاني توقف نموه العقلي.

    بعد أسبوعين توقف عن الكلام، ورفض كل علاقة مع والديه، ولم يعد يلعب مثل الأطفال الآخرين، وإنما انشغل بألعاب غريبة مثيرة للدهشة، واستمر لساعات طويلة وكأنه منوم مغناطيسيا، يترك الكرات الزجاجية أو حبات الرمل تنساب بين يديه بشكل غريب لافت للنظر. وأخذ يتصفح الكتب التي يأخذها من الرفوف لفترة طويلة أيضا، كما كان يطوح برأسه وجذعه، ويحافظ على هذا الوضع لساعات عدة، من دون أن يشغله شي ما.

    كانت حيرة الأطباء والمعالجين اكبر من حيرة أهله. التحاليل الطبية الأولية تشير إلى تخلف عقلي نتيجة التهاب في الدماغ. ثم انه أصيب قبل خرسه بسلسلة من الالتهابات الحاد في الإذن الوسطى. وعند بلوغه السنة الرابعة والنصف من عمره، أشار التقرير الطبي إلى إصابته بـ«التوحد المبكر»، الإعاقة الدائمة التي يعتقد أن لا شفاء منها.

    في سن الثامنة نطق فجأة بعض الجمل، لكنه صمت مرة أخرى. يتقدم العمر بـ(بيرغر) حتى يصل إلى مرحلة الصبا. اما قدراته العقلية فتتوقف عن النمو، وتبقى متخلفة عن عمره، ولا تقارن إلا بقدرات طفل صغير. كان طوال اليوم يذهب إلى مؤسسة تربوية خاصة لإعاقة التوحد، تعود إلى «جمعية مساعدة الطفل التوحدي».

    تعلم هناك ارتداء ملابسه وخلعها وحيدا، إضافة إلى الاستحمام وإنجاز بعض الأعمال المنزلية، لكن تطوره لم يتجاوز حدود الطفولة. انطوى الصبي على نفسه وانسجم مع عالمه الخاص بتلقائية، ومن دون أن يشعر به أحد. اثناء مرحلة المراهقة تفاقمت مشاكله، وتوترت علاقته مع عائلته وأصبح سلوكه استحواذيا، وحركته محمومة، فهو دائم اللهاث، وتنتابه نوبات غضب وصراخ، ويلجأ إلى ضرب وعض نفسه إلى حد إسالة دمه. أوصل تصرفه هذه أهله إلى حزن ويأس مطبق. انعزلت العائلة تماما عن الآخرين. لم يكن (بيرغر) يتمتع بأي فهم معرفي، وبدا ان مستقبله معتم بلا أمل.

    وبعد أن اجتاز مرحلة الطفولة والصبا الشاحبة والباهتة، حدث عام 1990 شيء غير حياة عائلة بيرغر سيلين. خلال محاضرات ألقتها باحثة اللغة الأميركية انغريد شوبرت في نيويورك، تعرف أهل التوحدي بيرغر على طريقة التواصل المبسط والمسند Facilitated Communication» F.C »، الطريقة التي تساعد المصابين باضطراب لغوي أو حركي أو نفسي على تجاوز إعاقة التواصل مع محيطهم، وتسهل عملية التواصل الخطابي معه، من خلال الإشارة إلى الأشياء أو الحروف الكتابية.

    في 27 ـ 8 ـ 1990 جلست السيدة سيلين مع ابنها بيرغر امام جهاز الكمبيوتر، تحدوها الآمال في ان يتحقق شيء ما. بعد جهد ومعاناة في جلسة الكتابة الأولى على الكمبيوتر، من رفض للإسناد إلى نوبات الهياج والصراخ، سيطر بيرغر على لغة الكتابة. تدفقت موجات من المشاعر، وانعكس ما يمور بنفسه على شاشة الكمبيوتر.

    كتب يقول:
    «انه يعرف القراءة والكتابة منذ سن الخامسة، وقد سجل في ذهنه كل ما كان يحدث من حوله خلال هذه السنين». كان يعرف كل دول العالم وعواصمها والأرقام ومطلع على الكثير من الفلسفات. يعرف الكثير عن إعاقته التوحدية والبحوث الجارية عنها، ويملك معرفة ضخمة عن عدد هائل من الكتاب. مئات الكتب التي كان يتصفحها كان في الحقيقة يقرؤها ويخزن مضامينها. (يمتاز التوحدي بذاكرة تصويرية). كان يختفي هناك خلف واجهة الجنون والصراخ واللهاث والتأرجح والتحدب، إنسان حساس خارق الذكاء، واسع الثقافة والإطلاع. قورنت لغته في الصحافة بلغة هولدرن وارتواد، ولغة كوستاف شفاب ورينلد غوتس وانغبورغ باخمان. الصحف والمجلات الألمانية أطلقت عليه وصف «أول شاعر توحدي في العالم». كما صور فيلم وثائقي عن حياته الخاصة. احتوى كتاب بيرغر الأول الذي صدر(1993) تحت عنوان «لا أريد ان أكون شيئا البتة في داخلي، رسائل من سجن توحدي» على مجموعة من كتاباته حول وضعه ورؤيته لعالم التوحد ومعاناته، والتي امتدت من عام 1990 إلى نهاية عام 1992. وبدأ اهتمام القراء ينصب عندئذ على نصوصه الأدبية، وليس على صراعه ضد إعاقته التوحدية 1.


    لم يتخلص بيرغر من إعاقته التوحدية، لكنه أنجز خطوات كبيرة باتجاه الاعتماد على النفس، والتعبير عن فرحه ويأسه الذي تحول نصوصا نثرية وشعرية ضمها كتابه الثاني، الذي، صدر عام 1995.

    أدرك بيرغر ان عدم القدرة على توجيه الحركة أو قيادة جزء من الجسم لا يعني ان هناك إعاقة عقلية أو تخلفا عقليا، وإنما هو مجرد عطب في جزء من خلايا الدماغ المسيطرة على توجيه الحركة. وقد أكد بيرغر سيلين هذه الحقيقة في كتابه المذكور في الصفحة «162» بعد أن قرأ معظم البحوث التي كتبت عن التوحد.

    يكتب بيرغر سيلين التوحدي:
    لا أستطيع أن أتعلم حرية التصرف.
    عطب بالغ في جملتي العصبية.
    جهودي ستذهب سدى
    وعلى من هو مثلي أن يستسلم.
    لا أقوى على شيء.
    ارغب في الهدء والسكينة فقط.
    هل أصبح داخلي خاويا حتى من كلمة واحدة؟
    سأحاول غدا مرة أخرى.

    استطاع بيرغر سيلين بمساعدة طريقة التواصل المسند( F.C) ان ينفتح على المجتمع، وان يخترق حواجزه التوحدية. فتعلمه لطريقة التواصل منحه اعترافا اجتماعيا. تلقفه على اثرها المجتمع وبدأ محيطه يزداد اتساعا ورحابة، ووعيه عمقا وغنى. اذ استطاع أن يتواصل خطابيا مع محيطه، وان يعبر بوضوح عن أمانيه ورغباته، ويتكفل هو نفسه باتخاذ ما يراه مناسبا من قرارات.

    وبرغم القدر الهائل من الخراب الذي يتركه التوحد على قدرة الإدراك، وعلى إمكانية إقامة علاقات اجتماعية سليمة، استطاع بيرغر ان يقلل الآثار الوخيمة لهذا الخراب، وان يفكر ويحلل مواقفه وحالاته المتباينة بطريقة واضحة ولافتة للنظر.

    لقد فتحت له الكتابة المباشرة آفاقا رحبة، وأنارت دواخله بالبهجة والغبطة. فأجمل لحظاته، هي تلك التي يجلس فيها إمام الكمبيوتر المحمول، مسنود الذراع من قبل أمه أو أبيه.

    وعادة ما يكتب بيرغر نصوصه مساء، ليدون فيها إحداث يومه المنصرم احتج الكثيرون لعدم قناعتهم ان بتحول الإعاقة التوحدية إلى ظاهرة إبداعية، وبالتالي لم تسلم نصوصه من التشكيك.

    اما بيرغر نفسه فقد اخذ يتعايش مع إعاقته، وتطورت معرفته بها. لم تعد إخفاقاته تعيقه عن التقدم في عمله. ازداد جوعه للعلوم والمعارف.

    وبدأ يحقق اعترافا اكبر في صفوف المجتمع ويتحرك ضمن اطر المجتمع من دون مساعدة خارجية، محاولا ان يعود نفسه على العيش مع اناس غير توحديين. استطاع ان يدرس الكيمياء والفيزياء واللغة الفرنسية والرياضيات، بمساعدة طريقة التواصل المسند F.C، ومن خلال الكتابة على الكمبيوتر، إذ تكتب له الأسئلة ليجيب عنها بيرغر كتابيا. حصل بيرغر سيلين والمخرج كوبالا على جائزة «أدولف غرم» على فيلم «سيرة حياة بيرغر سلين» عام 1995.

    ماذا يكتب بيرغر سيلين في نصه الآتي من أعمق أعماق نفسه؟ هل يكتب شعرا أم نثرا؟ هل نسمي ما يكتب أدبا؟ نص كاتب معوق لا يجرأ النقاد على الاقتراب منه. انه نص مذهل، تبدعه ساحرات، أغلق بيرغر قفصه عليهن. حبيسات قلاع وقصور جميلة وأقبية مظلمة موحشة مرعبة كيما تعبر عن مشاعره وحواسه الداخلية.

    مئات من أدمغة الكتاب والشعراء والعلماء، أجلسهم على طاولة انطوائه، يقلب صفحات إبداعهم، يشدد الخناق عليهم، يتصاعد ضجيجهم ويتعالى صراخهم إلى اقصى خلية في دماغه. تزدحم رأسه بالحروف والكلمات والأفكار، لا مخرج لها غير صراخه. يصدم رأسه بجدران غرفته ويشجه. يضرب فمه بقبضته إلى ان تدمى شفتاه. يعض راحته بحرقة مكلوم علها تخرج هذه الحروف، وتلك الكلمات لتعبر عما يعج به رأسه من أفكار. بيرغر يكتب الآن من عالم آخر. يكتب عن الم يصرخ في قلب شاعر.




    نشر هذا المقال في صحيفة الشرق الاوسط في 13 فبراير 2008 العدد 10669
    لطيف الحبيب / برلين

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد نوفمبر 19, 2017 12:47 pm